طرطوس .. الحزن يعم المدينة والنساء باللباس الأسود وشباب المدينة هاربون ؟؟

عين على الوطن

لطالما دعم أهل طرطوس، تلك المدينة ذات الأغلبية العلوية، النظام، ولكن معظمهم اليوم يعتقدون أن الأسد خدعهم بزجّهم في حرب لا معنى  ولا نهاية لها

الرسالة التالية هي جزء من مشروع يعتمد على الصحفيين المحليين لتصوير الحياة اليومية في مناطق المعارك حيث لا يمكن للمراسلين الدوليين الوصول بسبب التهديدات الأمنية من الأطراف المتحاربة. يخط الكاتب مقاله تحت اسمٍ مستعار ليحمي نفسه. تمول مؤسسة والتر وكارلا غولدشميت هذا المشروع الذي يقع مقره في مركز ماري كولفين للتقارير الدولية التابع لجامعة ستوني بروك، من تحرير الصحفي المقيم في اسطنبول روي غوتمان.

طرطوس – عندما بدأت الثورة السورية قبل ست سنوات كان الشباب في كل أنحاء سوريا يطالبون بإسقاط النظام، إلا في طرطوس حيث سار ما يقرب من ألف من الموالين في شوارعها يهتفون دعماً للرئيس بشار الأسد.

“الأسد أو نحرق البلد”، هذا كان شعار عناصر النظام منهم.

تتركز في طرطوس النسبة الأكبر من الأقلية العلوية في سوريا التي هي نواة نظام الأسد، لذلك، عندما استدعى النظام أبناء طائفته كقوات احتياطية ضد ما أسماه تهديداً إرهابياً أرسلت العائلات العلوية رجالها وأبناءها طوعاً.

اليوم تغرق طرطوس في الحداد فلقد قُتل من شبابها حوالي 100 ألف قتيل وأصيب 50 ألفاً آخرون في القتال من بين تعداد سكان المحافظة الذي يبلغ مليوني نسمة، امتلأت الشوارع بالنساء اللابسات السواد حزناً على زوج أو ابن في شوارع المدينة البالغ تعداد سكانها 800 ألف نسمة، وكل يوم تصل عشرات التوابيت إلى المدينة من الجبهة. والآن يختبئ شباب المدينة – يقدر عددهم بخمسين ألفاً – وتضطر الحكومة لشن حملات مداهمة من منزل إلى منزل للعثور عليهم وسوقهم إلى التجنيد.

لم تعد هذه مدينة للساذجين. لا تزال أقلية صغيرة فيها تعتقد أن الأسد يحارب الإرهاب، ولكن معظم الناس الذين أعرفهم يعتقدون أن الأسد خدع شعبه من خلال زجه في حرب لا معنى ولا نهاية لها.

طرطوس اليوم هي مدينة الفقراء. تزدحم المحافظة اليوم بـ 1.2 مليون من المشردين الفارين من مناطق الحرب المستعرة وباستثناء مخيم واحد يتسع لـ 20 ألفاً فقط من النازحين الداخليين فقد تُرك الباقون ليتدبروا شؤونهم دون مساعدة مما يزيد من تكلفة السكن.

انهارت الليرة السورية وتضاعفت تكاليف السلع الغذائية الأساسية في حين لم ترتفع الأجور إلا قليلاً. معظم الأُسر لا تستهلك من اللحوم إلا الدجاج ومرةً واحدةً في الشهر فقط. حتى وقود التدفئة في الشتاء أصبح حلماً لمعظم الناس فقد يُكلف نصف الراتب. الخدمات العامة أسوأ من أي وقت مضى حيث الكهرباء لا تأتي إلا ستّ ساعات في اليوم.

طرطوس أيضاً مدينة التهديد. فقد أطلقت قوات الأمن التي لطالما عُرفت ببطشها منذ تولى الأسد الأب السلطة عام 1970 قوات الدفاع الوطني المعروفة باسم الشبيحة وقامتا معاً باعتقال معظم المعارضة السياسية ونشطاء المجتمع المدني وكل من يعارضهم. نشرت مخابرات النظام “قوائم سوداء” بأسماء الذين يدعمون الثورة، تعرّض معظمهم للضرب أو الطرد أو القتل. اليوم لا يمكن لأحد أن يُعبّر عن رأيه حتى لأحد أفراد أسرته فضلاً عن أحد جيرانه.

الاستثناءات في الجنازات فقط. حيث تشتم عائلات القتلى في كثير من الأحيان النظام والأسد. عندما تُوفي ابن عمي في صيف عام 2014 ، كانت الأسرة في حالة من الغضب، انهارت والدته ووقف والده مرتبكاً. جلب حارس الشرف التابوت ولكنه لم يسمح للأسرة بفتحه لرؤية الجثمان. بدأت والدته بشتم الأسد و”حربه اللعينة”.

كل عائلة لديها قصة ترويها عن خسائرها. أحد الأمثلة هي رحاب، امرأة أعرفها تبلغ من العمر 40 عاماً. تطوع زوجها مدرس الابتدائية في ميليشيا الدفاع الوطني في أواخر عام 2011. تقول رحاب وهذا ليس اسمها الحقيقي “أراد زوجي أن يكتب قصته الخاصة عن الوطنية، اعتقدَ أن المهمة ستكون سهلة، وأن الإرهابيين خصوم جبناء ضعفاء يمكن له ولرفاقه سحقهم دون أي مشاكل”.

أثناء محاولة اقتحام حي الوعر في حمص في أوائل شهر شباط التالي أصابته قذيفة هاون. “كل ما حصلت عليه من النظام كان بعض الكلمات الفارغة ومبلغاً تافهاً من المال” (تحصل أسر الجنود الذين سقطوا على مبلغ إجمالي يساوي 1000 دولار ونصف الراتب الشهري أي ما يعادل 30 دولاراً تقريباً).

وقعت أكبر كارثة في أيلول التالي عندما بدأ ابنها الأكبر خدمته العسكرية الإلزامية. تقول رحاب “سمحنا له بالانضمام إلى رفاقه، واعتقدنا أنهم لن يضعوه في مكان خطير لأن والده شهيد”. ولكنه أُرسل إلى قاعدة الطبقة الجوية بالقرب من الرقة في شمال شرق سوريا، والتي استولى عليها تنظيم داعش في آب عام 2014، وقبل يومين من سقوط القاعدة هرب معظم الضباط جواً إلى مكان آمن تاركين وراءهم مئات الجنود وعدداً قليلاً من الضباط الذين قبض داعش عليهم جميعاً وأعدمهم.

تقول رحاب “إن صورة ابني لم تفارق مخيلتي أبداً، إلا عندما أتخيل زوجي يفارق الحياة بقذيفة هاون وأشلاؤه تتطاير في الهواء” وتضيف “أحسد الذين فقدوا واحداً فقط من أحبائهم في هذه الحرب، فأنا فقدت اثنين، زوجي وابني”.

فقد النداء الوطني تأثيره منذ سنوات، لذلك استعاض النظام عنه بالضغط الاقتصادي على العلويين. كان تطبيق الضغط الاقتصادي سهلاً لأن عدداً كبيراً من العلويين يقبضون مرتباتهم من الدولة سواء كانوا في قوات الأمن أو موظفين حكوميين. وأنا أعرف الكثيرين الذين انضموا إلى قوات الاحتياط بعد أن تلقوا تهديدات بفقدان وظائفهم ودخلهم.

الامتيازات التي يتمتع بها العلويون خادعة، لأن دافع النظام من وراء منحها هو تأمين السيطرة. وحتى الشؤون الدينية للطائفة العلوية أفسدها النظام بتعيينه ضباط الجيش المتقاعدين كشيوخ للطائفة. ثلاثة من بين شيوخ الطائفة الخمسة في بلدتي كانوا رُقباء في الجيش. وقد أُضيف هذا إلى فقدان البوصلة الأخلاقية عند الكثير من العلويين.

إن حملة إثارة الكراهية الطائفية قصةٌ أخرى. الصورة النمطية تُظهر أن العلويين يحملون عداءً كبيراً تجاه السنة والعكس بالعكس، ولكن من وجهة نظري، وأنا علوي منشق عن النظام، أن هذا ليس صحيحاً. عندما بدأت الثورة خرج خصوم النظام من العلويين إلى الشوارع في بانياس وهي بلدة ذات أغلبية سنية في شمال طرطوس وشكّلوا لجنة تنسيق محلية سنية علوية. وخلال ذروة الثورة لم تكن هناك أعمال ذات طبيعة طائفية ضد السنة. لقد استقبلنا النازحين السنة بمئات الآلاف دون مشاكل.

النظام هو من أشعل الكراهية الطائفية. لطالما كررت وسائل إعلام النظام القول للعلويين بأن الأغلبية السنية تُريد اسقاط النظام والانتقام منهم، كما أن جهاز حزب البعث أشار باستمرار إلى “الجهاديين الإرهابيين السنة”. بدأت الملحمة في حزيران من عام 2011 عندما هاجم الثوار من السنة مكاتب المقر الأمني الذي يُسيطر عليه العلويون في جسر الشغور، نشرت الحكومة تلك الفيديوهات التي تُظهر أعمال العنف. ما أشعل الغضب في صدور الشباب العلويين وساعد النظام في تجنيدهم.

وبدعم من إيران، أعطى النظام الضوء الأخضر لجماعات الشبيحة لمهاجمة السنة، مما أدى لمذبحة البيضا وبانياس في أيار عام 2013. وأشعل النظام موجة القتل عندما سلم جثة شاب سني توفي في السجن إلى ذويه. عندما رأوا جثمانه وعليه آثار التعذيب أخرجوا الأسلحة وأطلقوا النار في الهواء. كانت هذه ذريعةً لكي يأمر النظام الميليشيات العلوية بقتل السنة في البيضا وبانياس وحرق منازلهم. كان ذلك بعد أن اخترقت مخابرات النظام تلك الميليشيات وحرضتها. أُعدم مئات من السنة بسهولة. ولكن السنة لم يكونوا انتقاميين تماماً وفقدت الدعاية الطائفية تأثيرها ببطء، مع ذلك استمر النظام في تشويه صورة “الجهاديين السنة”.

وصل الأمر ذروته في أيار عام 2016 عندما وقعت موجة من التفجيرات أدت إلى مقتل نحو 180 مدنياً. كان أربعة منهم في طرطوس وخمسة في جبلة وهي مدينة في جبال اللاذقية على بعد 15 دقيقة منها. أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن التفجيرات على موقعه على شبكة الإنترنت. ولكن النظام اتهم حركة أحرار الشام الإسلامية. ويشكك العديد من المحللين في رواية النظام ويقولون إنه يرعى التفجيرات من أجل إخافة السكان.

تحيط الحواجز العسكرية بالمدينتين، وتتجول دوريات الشرطة فيهما ليلاً ونهاراً وتهاجم منازل المشتبه بهم، لذلك من المستحيل تقريباً على أي جهة أن تُنفذ الهجمات في وقت واحد وبدقة ما لم يكن النظام نفسه. ونحن نعلم أن النظام افتعل حوادث قبل هذا ثم ألقى باللوم على الإرهابيين (يقول مسؤولون أمنيون رفيعو المستوى من المنشقين عن النظام إن النظام قام بسلسلة من التفجيرات للمنشآت الأمنية من أواخر عام 2011 إلى منتصف عام 2012 وألقى باللوم على القاعدة قبل أن يكون للمسلحين تواجد في سوريا).

لا يستطيع النظام اليوم أن يُقدم حجة للعلويين للمخاطرة بحياتهم ولم يتبق له إلا التجنيد الإجباري. في مطلع آذار شنت قوات الأمن حملة مداهمات في طرطوس ومشطت البيوت بيتاً بيتاً لاعتقال الشباب وسوقهم إلى الخدمة العسكرية. تم القبض على أكثر من 600 شاب واقتيدوا للانضمام إلى القتال في شمال شرق البلاد.

إن المجتمع العلوي الذي صدّق ذات يوم دعاية النظام الطائفية، أصبح اليوم يحمي الشباب العلويين الذين يحاولون التهرب من الخدمة العسكرية. أحد معارفي واسمه عمار من منطقة القدموس شمال شرق طرطوس كان قد أُلقي القبض عليه عند حاجز بدمشق في أيار عام 2014 وأُرسل إلى خط المواجهة في الزبداني وشاهد نصف رفاقه يموتون أمامه، اليوم يختبئ عمار في قرية صغيرة في جبال طرطوس.

يقول عمار “لا أستطيع العمل أو السفر. لا أستطيع مغادرة قريتي. ولكن هذا أفضل من أن أكون في الجيش”، وأضاف “لا أستطيع أن أختار الموت. في سبيل من أموت؟ ولماذا؟”.

ينتشر الغضب اليوم على الرغم من الصمت وعدم البوح به إلا للخاصة. عندما زار رئيس الوزراء السوري عماد خميس طرطوس الشهر الماضي كان أحمد وهو أحد المزارعين يسلي ضيوفه في منزله في قرية حمين. لسنوات كان أحمد يفتح التلفزيون على قناة الأخبار الحكومية ولكنه في العام الماضي تحول إلى قناة الجزيرة المملوكة من قطر وقناة العربية المملوكة من السعودية.

وعندما شاهدوا خميس على شاشة التلفزيون وهو يتحدث عن مشاريع النظام الجديدة للمنطقة فضلاً عن حملته ضد داعش وجبهة النصرة (أحد فروع القاعدة والتي غيرت اسمها إلى جبهة فتح الشام) وغيرها من الجماعات المسلحة بدأ الضيوف يسخرون من هذه المشاريع.

فجأة قال أحمد: “لا يمكن أن يكون هنالك إرهابٌ أسوأ من هذا. إنهم يقتلون أبناء الفقراء لإبقاء الفاسدين في مناصبهم، وفي مقدمتهم بشار الأسد”. شعر ضيوفه بالحرج وكتموا ضحكاتهم.

ولكن لا أحد مستعدٌ لتحدي النظام علانية.

ذا نيشن- ترجمة أمجد المنير- السوري الجديد

0 Comments

اترك رد

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password